دور المجتمع المدني في عملية الإنتقال الديمقراطي في المنطقة المغاربية :دراسة حالة الجزائر-تونس (2011-2019)
En cours de chargement...
Fichiers
Date
2021-11-21
Auteurs
Nom de la revue
ISSN de la revue
Titre du volume
Éditeur
Résumé
عرفت البيئة المغاربية منذ 2011 تطورات سياسية فرضتها التحولات والتغيرات التي يعرفها النظام الدولي، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في تركيبة النظام السياسي ومؤسساته في الدول المغاربية، إذ استنجدت الشعوب المغاربية مواكبة هذه التغيرات وفق مبدأ التغيير واسقاط النظم التسلطية، والتوجه نحو الانفتاح الديمقراطي، والتعددية السياسية، التي يمكن من خلالها فتح المجال للنشاط الديمقراطي ضمن سياق تكريس دولة الحق والقانون، واحترام حقوق الانسان انطلاقا من توسيع نطاق الحريات المدنية والسياسية، وبناء دولة بمؤسساتها قوية.
نتجت عن مجمل هذه المتغيرات التي أثرت على البنى الاقتصادية والاجتماعية إلى تبني مفاهيم وشعارات وخطابات أغرقت الحياة السياسية في تجسيد مراحل الانتقال الديمقراطي التي شكلت صراعات داخلية منها من تجاوزت الاختلالات الهيكلية عن طريق الإصلاحات السياسية التي جسدت بناء شرعية جديدة للنظام السياسي، ومنها وقعت في شبكة التدخل الأجنبي وعجزت في بناء مؤسسات فعالة مع الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي والخارجي.
شكلت سلسة التحولات السياسية إلى اكتشاف فاعل جديد في إدارة المرحلة الانتقالية عُرف "المجتمع المدني" من خلال الأدوار والوظائف التي قام بها خلال تجربة الانتقال الديمقراطي في البيئة المغاربية، وما ميَز هذه التجربة عبر إجراء المقارنة هو الاختلاف والتباين حول أداء المجتمع المدني ومسار الانتقال الديمقراطي عبر فترات زمنية مختلفة وبيئة مغايرة، حيث نجد دول اتخذت مسار الإصلاح (الجزائر، المغرب، موريتانيا)، التغيير (تونس)، الثورة (ليبيا) نظرا لتأثير العامل الخارجي على إعادة بناء الدولة والحفاظ على سيادتها.
تمكن المجتمع المدني عبر إجراءنا لدراسة مقارنة بين الجزائر وتونس (2011-2019) من الضغط والمشاركة في صناعة القرار السياسي من خلال إدارة المرحلة الانتقالية بالتعاون مع الدولة والنخب الحاكمة في رسم فضاء استقراري أمني وفق أطر دستورية تحدد صلاحيات ممارسة النشاط السياسي، خاصة في ظل توسع وتصاعد الاحتجاجات والمطالبة بتغيير قواعد ممارسة السلطة، وكيفية إدارة الشأن العام ضمن سياق تجديد المسيرة الديمقراطية.
أضف الطابع الديمقراطي في الجزائر وتونس وفق المؤشرات والمعايير المحددة إلى النظر في جغرافية الأدوار والوظائف التي يقوم بها المجتمع المدني انطلاقا من مبدأ علاقة الدولة بالمجتمع، وهذا وفق إشكالية الدراسة التي تمحورت حول مدى فعالية أدوارها خلال مسار الانتقال الديمقراطي خاصة بعد الخروج من الأطر التقليدية، والتوجه نحو الانفتاح الديمقراطي عبر الفضاء الافتراضي الذي أعطى متنفس جديد للرغبة في التغيير من خلال افتكاك مفاهيم جديدة كالديمقراطية التشاركية وإدارة الصراع ومعالجة الأزمات السياسية عبر استراتيجيات وسياسات وبدائل تشاركية بين الدولة ومختلف الفاعلين التي تؤثر بأساليب متنوعة ومتعددة منها الضغط على السلطة الحاكمة والتأثير في السياسات العامة عبر قدراتها التعبوية، وإرساء الديمقراطية من خلال تبني نظام انتخابي يتماشى وطبيعة النظام السياسي.
لذلك تهدف دراساتنا إلى تحليل وتفسير طبيعة الدور الحقيقي للمجتمع المدني وموقعه في عملية الانتقال الديمقراطي ضمن خطة عملية نظرية وتطبيقية، تم تقسيمها إلى خمسة فصول، فيما يتعلق بالفصل الأول تم معالجته ضمن سياق الأطر المفاهمية والنظرية لمتغيرات الدراسة "المجتمع المدني" و"الانتقال الديمقراطي" والعلاقة التي تربط بينهما، وقد توصلت نتائج الدراسة النظرية أن مفهوم المجتمع المدني يخضع لتغيرات البيئة التي برز فيها كفاعل بجانب الدولة، لأن متغير البيئة يؤثر بدوره على صياغة المفهوم الذي يتماشى والاطار العام الذي تحتويه من العوامل السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، إضافة إلى أن شكل النظام السياسي هو الذي يحدد معالم النظام الديمقراطي وفق سيرورة تاريخية حددتها دراسات غربية وعربية وفق تجارب مرت بها الدول الغربية، إلا أن بيئة العالم الثالث مجرد استنساخ لمفاهيم ونظريات غربية تفرض نفسها في بيئة مختلفة عبر الأزمنة.
أما الفصل الثاني رصدنا فيه تأثير البيئة الداخلية والخارجية خلال عملية الانتقال الديمقراطي على طبيعة دور المجتمع المدني وفق معايير ومؤشرات التي تم تحددها لإجراء المقارنة، وتصلت نتائج الدراسة فيها على أن البيئة المغاربية تخضع لعوامل داخلية (البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وعوامل خارجي (العولمة السياسية وموقف القوى الدولية الغربية والعربية).
أما الفصل الثالث والرابع عالجنا فيه موقع المجتمع المدني خلال عملية الانتقال الديمقراطي وفق معايير ومؤشرات المقارنة التي مكنتنا من تحديد أهم النقاط التي بموجبها نحاول تقييم التجربة جديدة لهذا الفاعل غير رسمي من خلال الاعتماد على المقاربة الدستورية والقانونية التي تحدد طبيعة العلاقة الدولة بالمجتمع المدني، وكذا حدود الأدوار والوظائف التي تقوم بها.
توصلت دراستنا إلى نتائج تبين أن المجتمع المدني من حيث النص والممارسة وفق المنظور المقارن (الجزائر- تونس) يخضع بالدرجة الأولى إلى العامل السياسي والاجتماعي، ويبقى في دائرة الخضوع والتبعية لأن المقاربة القانونية بينت وجود ثغرات لابد من إعادة النظر فيها خاصة من مبدأ الاستقلالية في التأسيس وممارسة النشاط، وكذلك من جانب التمويل مع العلم أن الجمعيات الجزائرية لا تخضع للتمويل الأجنبي مقارنة بالجمعيات التونسية،، وأمام هذا التحدي فإن مسألة الطوعية والاستقلالية في الجزائر وتونس يبقى خاضع وتابع للدولة، فلا يمكن تصور مجتمع مدني قوي مستقل عن الدولة، لأن معايير تطبيق النظام الديمقراطي يستلزم تعميق الممارسة الديمقراطية والمشاركة التعبوية، والتأثير في السياسات العامة، ونشر الثقافة المدنية، والأكثر من ذلك وجود إرادة حقيقة في تفعيل المجتمع المدني انطلاقا من التأسيس بوجود أهداف إلى التوجهات ومدى تنفيذ هذه الأهداف من مبدأ الكفاءة والفاعلية، فهذه المؤشرات والمعايير تبين الفجوة المجودة بين الفعالية والفاعلية في دعم الانتقال الديمقراطي في ظل وجود إرادة نابغة من السلطة والنخبة الحاكمة بدل من وجود مجتمع مدني قوي يسعى لبناء دولة قوية ومدنية، وهذا ما أثر على الاستقرار الداخلي للمجتمع المدني واستمرارية وجوده في الحياة السياسية والاجتماعية.
انطلاقا من الفصول السابقة التي ركزت على المقارنة، التحليل والتفسير، قمنا بإضافة الفصل الخاص كإجتهاد منا لتقييم دور المجتمع المدني وفق المعلومات والمعطيات الواردة في المقاربات الدستورية والقانونية، كذا الأبحاث العلمية الاكاديمية والربط بينهما، وسعيا منا معرفة مستقبل المجتمع المدني في ظل الظروف الحالية قمنا بإجراء دراسة مستقبلية بتطبيق تقنياتها على مدى خمس سنوات القادمة، بناءا على ما تم تحليله والبيانات والمعلومات التي تحصلنا عليها خلال الدراسة الميدانية والاستطلاعية.
إلا أن الدراسة توصلت إلى نتائج قمنا من خلالها اختبار صحة الفرضيات، وقد تم إثبات صحة الفرضية الرئيسية على أن فعالية المجتمع المدني تحدد ضمن سياق المتغير البيئي الذي يؤثر على طبيعة المفاهيم التي يتم تبنيها، إضافة إلى الاختيار المناسب للنظريات التي نفسر بها الانتقال الديمقراطي، وكذا نمط البيئة الداخلية والخارجية نظرا للتغيرات التي فرضتها العولمة والسباق نحو الهيمنة بين القوى الغربية، فإن الأدوار التي قام بها المجتمع المدني من منظور مقارن بين الجزائر تونس في إدارة المرحلة الانتقالية من تأطير المسيرات الشعبية، والمشاركة في صياغة الدستور، والحوار الوطني، وإشراكه في صناعة القرار يبقى مرهون بإرادة السلطة الحاكمة وطبيعة النظام السياسية والثقافة السياسية السائدة التي تحدد نمط علاقة الدولة والمجتمع المدني، وهذا ما توصلنا اليه في الدراسة المستقبلية.
كما تم تقديم اقتراحات من طرف المبحوثين في الجزائر وتونس لتفعيل دور المجتمع المدني، مع تقديم توصيات للدراسة.